محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
41
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - إمام الركب دائما ، فمقدمة أرباب الفناء يلتقون بساقة أرباب المحبة . وقال بعضهم : هي بين الهمّة والأنس وأول أودية الفناء والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو ، فمقدمة العامة في آخر مقام المحبة وساقة الخاصّة في أول منازل الفناء ، ومنزل الفناء متصل بآخر منزلة المحبة ، وعلى الأول مقام الفناء عقبة في طريقها وليس بعدها إلا البقاء ، وما دون المحبّة من المقامات كلها أغراض لا عواض فما سوى المحبين أجير ينصرف عند أخذ الأجرة . وأمّا المحبون فهم عبيد ونفس العبد وعمله ومنافعه لسيده لا له فلا يعوضه في ملكه ، فلا ينصرف من الباب أبدا . والمحبّة لها أسباب تجلبها : قراءة القرآن بالتدبر والتفهم ، والتقرب إلى اللّه تعالى بالنوافل بعد الفرائض ، ودوام الذكر قولا وفعلا وحالا وتعقلا ، وإيثار ما يريد على ما تريد ، والتفكر في الأسماء والصفات ، ومشاهدة النعمة الظاهرة والباطنة من الذات ، وبالتلاوة والاستغفار والمناجاة في الخلوات ، ومجالسة المحبين الصادقين ، ومباعدة الأسباب المانعة من توجه القلب إلى الحق تعالى ، لكن المدار على الاستعداد يا أيّها العباد . وقال بعضهم : إنها على ثلاث درجات الأول هي القاطعة للوساوس والمنتجة للخدمة والتسلية عن المصائب ، وهي نابتة من مطالعة المنة ، وثابتة باتّباع السنة ، ونامية باختيار الفاقة ، والثانية هي الباعثة على إيثار الحق على ما سواه ، وحقا اللسان يلهج بذكرها ، والقلب يتعلق بشهودها وظهورها بمطالعة الصفات والنظر إلى الآيات ، والثالثة هي الخاطفة للقلوب ، والعبارة منقطعة دونها والإشارة غير واصلة إليها ، وهي قطب هذا الشأن لخلاصها من الشوائب والعلل والأغراض . وقال الشيخ الجيلي : إن المحبّة ثلاثة أنواع محبّة فعلية ، وهي أن يحب اللّه تعالى لإحسانه عليه ، ولأن يزيد عليه ما أسداه إليه ، ومحبة صفاتية وهي أن يحبه تعالى لجماله وجلاله ، ومحبة ذاتية وهي التعشق الذاتي الذي ينطبع بقوته في العاشق بجميع أنوار معشوقه ، فيبرز العاشق في صفة المعشوق كما يتشكل الروح بصورة الجسد . فالأول : محبّة العوام أي : ما دون الشهداء . والثاني : محبّة الخاصة أي : الشهداء . والثالث : محبّة خاصة الخاصة أي : المقربين . واعلم أن الحرف الأول من المحبة حرف ( الميم ) الذي هو دائرة الوجود ؛ لأن أولها منعطف على آخرها مثل الواو والنون ، وقد مرّ في صدر الكتاب بيان هذا ، وعدده أربعين وهو عين الكمال الاعتدالي في كلّ شيء ، وموافق لمراتب الوجود الحقّية والخلقية ، فإنها وإن كانت كثيرة لا تحصى لكن جميعها محصورة في الأربعين وما سواها داخل تحتها لاشتمالها الجميع ، وإحاطتها بالكلّ ، ولهذا صار مفتاحا للملك والملوك ، والمريد والمراد ، والمحب والمحب ، والمبدئ والمعيد ، وغير ذلك كما ذكرنا في أول الكتاب ، وأيضا صار مفتاحا للاسم محمد ( 1 ) هو نبينا صلى اللّه عليه وسلّم ، فهذا العدد وهو مدلول الميم أصل الأشياء وبه تمت تخمير أبينا آدم عليه السّلام ، وهو أيضا -